الشيخ السبحاني

183

الوسيط في أصول الفقه

وبذلك يظهر أنّ أساس المفهوم هو الحفاظ على جميع الخصوصيات إلّا كيف القضية من السلب والإيجاب . ثم إنّه ( قدس سره ) رَتب على ذلك البيان بأنّ المنطوق لما كان قضية كلّية فلا بد من الحفاظ عليه في جانب المفهوم أيضاً أخذاً بالضابطة في باب المفهوم ، فقوله ( عليه السلام ) : » إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء « قضية سالبة كلية ، فلا بد أن يكون المفهوم موجبة كلية أيضاً ، فلا يكون هناك أي اختلاف إلّا في السلب والإيجاب ، فيكون المفهوم هو قوله : إذا لم يكن الماء قدر كر ينجسه كل شيء . يلاحظ على ما ذكره : بأنّ ما ذكره من الضابطة إنما يتمّ في الخصوصيات المذكورة في المنطوق كيوم الجمعة في المثال الأوّل ، واستغراق جميع الأفراد في المثال الثاني ( إن جاء زيد فأكرم العلماء ) . وأمّا إذا كانت الخصوصية مستفادة من السياق في المنطوق فلا يمكن الحفاظ عليه عند انقلاب القضية إلى كيف آخر ، وذلك كالاستغراق في قوله : » إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء « فإنّه مستفاد من سياق الكلام ، أي من وقوع النكرة بعد النفي ، فبما أنّ المفهوم على طرف النقيض من المنطوق في جهة الكيف يكون المفهوم حكماً إيجابياً ، فينتفي وقوع النكرة في سياق النفي ، ومعه لا يستفاد منه العموم فمثلًا : إذا قال : إن جاءك زيد لا تكرم أحداً ، لا يكون مفهومه إذا لم يجئ زيد » أكرم كل أحد « وما هذا إلّا لأنّ العموم كان مستفاداً من سياق الكلام ، وقد تبدّل سياقه من النفي إلى الإثبات ومن السلب إلى الإيجاب ، فكيف يمكن حفظ العموم في جانب المفهوم مع زوال السياق ؟ فإذا زال ما يدل على العموم عند الأخذ بالمفهوم ، كيف يمكن الأخذ بمعلوله وأثره ؟